الجمعة، فبراير 12، 2010

الحكي علامة شفاء الراوي*


الحكي علامة شفاء الراوي*
لو لم أكن قد شُفيت لما استطعت أن أكتب عن هذا. شكرا لمن ساعدني على الخروج من هذا.
ما هو أبشع إحساس في الدنيا؟ أسواء شعور في هذا العالم الواسع الموحش هو الوحدة. ما هي الوحدة؟ هي أن تنظر في المرآه، أي مرآه (مرآة أحد الأماكن العامة في نزهة مع حشد من الأصدقاء مثلا)، فلا ترى سوى نفسك، لا ترى حولك أحد، لا ترى معك أحد. هي أن تتحدث لساعات طويلة في أي شيء ثم يدق جرس الهاتف فترد بصوت مبحوح وتجد نفسك تعتذر لعدم وضوحه لأنك ظللت صامت لفترة طويلة قبل هذه المكالمة.أن تستمع إلى أغنية جميلة جداً ومؤثرة جدا ومطربة حقا ثم تتلفت حولك لتعبر عن رأيك وإعجابك بها فلا تجد من يسمعها أو يسمعك. أن تجد نفسك لا تضحك وأنت تتابع مشهد كوميدي ببساطة لأنك لم تسمع أحد يضحك.
أن تجد أنك تتنفس طول الوقت بمفردك. لا تشعر إلا بنبضك، لا تشعر بنبض أحد إلى جانبك. لا تسمع أنفاس غير أنفاسك، وتنام وتقوم ونفس الأنفاس تخرج وتدخل نفس القلب، نفس القلب الذي ينبض وحيداً. لا يوجد سوى عَد واحد. عَد هذا العمر، هذا العمر الوحيد. هذا العمر الذي يركب سيارته وحيداً، يقود وحيداً، يسمع ويقرأ ويضحك ويبكي ويشكو ويتحدث وحيدا.
الوحدة كيان سرطاني يزحف على العمر وينساب في الدم فلا تظهر أعراضه إلا فجأه في وسط جمع صاخب في حفلة راقصة حيث لا تسمع إلا هذا العَد المنتظم المتواصل لنبض واحد ونَفَس واحد. وبمرور الوقت يصبح التنفس، هذه الهبه الربانية، هذا السلوك الآلي العبقري، عبء.
*العنوان مأخوذ من رواية